إليك وحدك أخطأت

طبيعة الإنسان عامةً طبيعة أنانيّة و متعجرفة . يحب نفسه قبل كل شيء و إن رغب بالتضحية فهناك شيء في المقابل . يمكن ان يكون كريماً الى درجة التبذير ، و يمكن ان يكون خدوماً الى اقصى الحدود. و البشر و انا منهم اصناف و اصناف البعض يشبه الآخر و البعض الآخر معاكساً تماماً . و لكن بالإجمال الكل يتفق على عدم الغفران او المسامحة و طبعاً بدرجاتٍ متفاوتة. يمكن ان تغفر لصديقك او احد المقرّبين اليك على مضض احياناً و كأنّك تهبه حياةً جديدة و فرصةً جديدة بعدها الويل و الثبور إذا اخطأ اليك مرة ً أخرى . اذا التفتنا حوالينا او بالحري إبتدأنا بأنفسنا نجد الكثير من العتب و اللوم على اهلنا احياناً و اصدقائنا و جيراننا و معارفنا . صعب ان نسامح و خاصةً اذا كان يتعلّق الامر بالكرامة و الاهانة الشخصيّة . نحقد الى سنين طويلة و حجتنا اننا اعطينا هؤلاء الاشخاص فرصة ً تلو الاخرى مع العلم ان البعض لا يعطي و لا ادنى فرصة.

ننحني امام الرب لانه هو المسامح الاكبر الذي يغفر لنا كل يوم و في كل وقت اذا اتينا اليه بتوبةٍ صادقة.

جلست افكر بهذا الامر طويلاً و رجع بي الزمن الى ايام الطفولة عندما كنت في الثامنة من عمري اعيش براءة الاطفال . كنت من المولعين في خدمة الكاهن و حمل المبخرة دون ان اكن افهم كل الامور او الكلام الذي كان يردده. لكن  كل همّي  انني اخدم الله و هو بذلك يرضى عنّي و يسامحني . ما كان يشغل بالي الكلمات التي كان يرددها الكاهن في كل مرة عند بداية القداس  و كنت اتساءل لما هذا الكاهن يقول هذه الكلمات و لماذا يخطئ من جديد  . و هل فعلاً يغفر الله له في كل مرة.   هذه بعضاً منها: إرحمني يا الله حسب رحمتك و حسب كثرة رأفتك… إغسلني كثيراً من إثمي و من خطيئتي طهّرني.  لانّي عارف بمعاصيّ و خطيئتي امامي في كل حين. إليك وحدك اخطأت  و الشرّ قدّام عينيك صنعت …. الى ما هنالك

كنت اتحيّر في نفسي و اقول لما هذا الكاهن يخطئ كل يوم ليعود و يطلب الغفران من جديد . حسب معرفتي البريئة اننا يمكن ان نخطئ جميعنا إلا هو . و كان هذا الامر يحيّرني و يزعجني في آن لانني كنت احبه . لم اكن اعلم ان هذه الكلمات مأخوذة من المزمور 51 للنبي داود . هذا النبي العظيم و الملك العظيم الذي كان يقول الرب عنه: وجدت داود ابن يسّى حسب قلبي. هذا الملك ارتكب جريمة الزنى و لكي يغطي الامر امر بإرسال زوجها اوريا الحثي الى اصعب مكان في مواجهة العدو لُيقتَل و هكذا كان و اعاد و تزوّج منها. و لكنّ الرب عاقبه لم يدع طفله الذي من الزنى يعيش. و ندم داود ندماً كبيراً و عاد الى الرب بكل قلبه و بقيت خطيئته تعذبه فكتب هذا المزمور الذي يصرخ فيه الى الله نادماً.  فيقول قلباً نقيّاً اخلق فيّ يا الله و روحاً مستقيماً جدد في داخلي . لا تطرحني من قدام وجهك و روحك القدّوس لا تنزعه منّي . ردّ لي بهجت خلاصك فأعلّم الاثمة طرقك و الخطاة اليك يرجعون.

ما اجمل الكلام الذي يصدر عن قلبٍ تائبٍ و معترفٍ بذنبه. الرب يغفر لنا ذنوبنا و خطيانا كل يوم و يطلب منّا ان نغفر نحن بدورنا الى كل من يُذنب الينا و هذا شرطه للغفران. نتواجد في كنائسنا اليوم و نشارك في الصلاة و الترانيم و نتوجه الى الله بكل جوارحنا سائلينه الغفران و المسامحة و عندما نصلّي الصلاة الربانية ، نرفع ايادينا الى فوق و مرّات كثيرة نغمض اعيننا لشدة الانسجام و التوبة و نقول : اغفر لنا ذنوبنا و خطايانا كما نحن نغفر لمن اخطأ و اساء الينا….. و اكثر من مرة نكون على خصام مع اناس كثر و يمكن ان يكون هذا الشخص يجلس بقربنا. على من نضحك على انفسنا ام على الله. إذا عاتبته يضع الحجج فوق الحجج و يدّعي انه مسامح او يترك الله ليسامحه . هذه هي المسيحية ان نكون نشبه يسوع بكل شيء ، و إذا لم نستطع فهو قادر على كل شيء يقف بقربنا و يهبنا نعمة الغفران إن سألنا . التوبة الى الله امر مفروض لانّ الرب لا يحب الخطيئة و لكنه يُحب الخطاة التائبين الذين يرجعون اليه بتوبة صادقة . التوبة الصادقة هي التي تنبع من قلبٍ صادق و ندمٍ كامل. داود في المزمور السادس يقول : أعوّم في كل ليلة سريري بدموعي . و اذوّب فراشي. الانسان المؤمن الذي يحب الرب يعلم انه عندما يرتكب اي خطيئة انه يرتكبها ليس فقط ضد الشخص الآخر إنما الى الله ايضاً لذا عندما صلّى قال: اليك وحدك اخطأت. و لكنّه فعلاً اذنب الى اوريّا و زوجته معاً و الى الآخرين ايضاً. و نحن نعلم انّ الخطيئة عندما تصدر من اولاد الرب تجرح قلبه و تُصبح الخطيئة موجهة اليه. و الرب من مراحمه يسامحنا و يغسلنا بدمه الطاهر و يرفع عنّا خطايانا و يمنحنا حياة جديدة في الابن الحبيب الذي اخذ عنّا كل القصاص و منحنا الخلاص الابدي . فننشد و نرنم بعض ما رنّمه داود قائلين: الرب صخرتي و حصني و منقذي . إله صخرتي به احتمي . ترسي و قرن خلاصي ، ملجأي و مناصي . مخلّصي ، من الظلم تخلّصني ….. في ضيقي دعوت الرب و الى إلهي صرخت . … خلّصني لانه سُرّ بي …. لانك انت سراجي يا رب . الرب يضيء ظلمتي…. لذلك احمدك يا رب في الامم و لاسمك ارنم.(صموئيل الثاني 24)

لا احد منّا معصوم عن الخطأ كلنا في الموازين الى فوق . لكن لنتعلّم ايضاً الغفران لا يكفي ان نقول الرب يسامحه بل يجب علينا ايضا نحن ان نسامح و ألاّ نكون لا نزال في خطايانا المعادلة واضحة عند الله  الرب يسوع يقول: و متى وقفتم تصلّون فاغفروا إن كان لكم على احد شيء لكي يغفر ايضاً ابوكم الذي في السموات زلاّتكم. و إن لم تغفروا انتم لا يغفر ابوكم الذي في السموات زلاّتكم.(مرقص 11/25و26)

مع هذه الكلمات لرب الكون نصلّي و نسأل الله ان يمنحنا جميعاً نعمة الغفران و المسامحة و نعمة التوبة و لك يا رب كل الاحترام و السجود و المحبة الى ابد الدهور.

آمين

arabicchristianchurch.com