الغفران

الغفران هو ذلك الأمر الذي كثيراً ما نتجاهله في مجتمعاتنا الشرقية. ربما لجهلنا أحياناً بوجود مثل هذا الأمر. أو ربما للنظرة الدونية الموجودة عندنا كشرقيين لمثل تلك الصفة وكأن غفرانك لشخص آخر يندرج تحت بند الضعف أو التهاون في الحق. والآمر أبعد ما يكون عن هذا.

وعلى الرغم من أن الغفران هو آمر تقوم به لمن أخطأ في حقك إلا ان الذي يحتاج الآمر بشكل أكبر ليس المعتدي بل المعتدى عليه.

نعم ورغم غرابة كلامي الا ان هذه هي الحقيقة المجردة. فالمعتدي يحتاج لغفران إلهي بالإضافة لغفرانك وهو شق آخر من الموضوع. أما غفرانك للمعتدي فأغلب منفعة هذا الغفران تعود عليك بالكامل. لأن الشخص المجروح او المعتدى عليه ان استمرت حياته في مرارة الآلام يتجرع كل يوم حزن دفين متذكراً من أساءوا اليه هو بذلك يختار بإرادته الحرة تدمير مستقبله وحياته بالكامل. فهذا الجرح المفتوح داخلك سيعيفك باستمرار عن مواصلة حياتك بالشكل السليم. تضحك وتنشغل في العمل محاولاً تناسي ما مررت به من جرح أو إهانة. معتقداً أن الأيام كفيلة بمداواة الجرح، لكن صدقني أبداً. وكلما خليت لنفسك يبدأ رثاء الذات والبكاء. بدون غفران حقيقي منك للمسيء يظل الجرح بلا شفاء مستنزفاً منك الكثير والكثير، وتصبح نقطة ضعف في حياتك التي كلما لمسها أحدهم نزفت من جديد وبقوة. ويصبح هذا الجرح في حياتك باب مفتوح لإبليس ليدخل منه وقتما أراد ويطرحك أرضاً بكل سهولة. وتظل هذه المرارة موجودة طالما انت لم تغفر وظللت متمسكاً بحقك في التعويض.

نعم أنت تحتاج ان تغفر لمن أساءوا اليك ودعني أخبرك بعض المعلومات عن الغفران. الغفران ليس كما يعتقد البعض بشكل خاطئ انه موقف عاطفي – وربما هذا السبب الرئيسي في فشل الكثيرين في الغفران-. لكن الغفران هو عمل عقلي يتسم بالسمو والنبل في التعامل مع الآخر(المعتدي)، والغفران لا يعني العدل. فهذا السمو في التعامل يعني أنك تسامح الشخص دون أن تكون قد حصلت على حقك. ودون اي استحقاق لهذا الشخص. فالغفران يعني تنازلي عن حقي الإنساني في المطالبة بالتعويض.

ولهذا ولكي يحدث الغفران بالشكل الصحيح ينبغي عليك أولاً أن تدرك حجم الخطأ والظلم الذي حدث في حقك. ثانياً تدرك أن الشخص المخطئ في حقي لن يستطيع إصلاح الضرر النفسي الذي حدث في داخلي. وهذه قاعدة هامة جداً يجب ان تكون واضحة لنا. انه لا يوجد أحد يستطيع ان يصلح الضرر النفسي في حياة شخص آخر، لكن الشخص نفسه الذي تعرض للضرر هو الذي يستطيع إصلاح نفسه.

ولكي تحدث عملية الغفران نحتاج ان نضمن الصدق مع النفس، وعدم الإنكار، وتزييف المشاعر. فنحن لكي نغفر ينبغي ان نعترف أننا قد جرحنا وتألمنا. وما أكثر التزييف والإنكار الذي يتم تحت مسمى الغفران (لقد غفرت له ولكن ….). إدراكنا لجروحنا والاعتراف بها هو الخطوة الأولى والأساسية لحدوث الغفران. فكبت المشاعر لا يؤدي سوى لغفران نظري غير حقيقي يسقط مع الزمن. فكيف تنوى ان تغفر لمن لم تتألم بسببه وماذا ستغفر له؟؟. نحتاج ان نعترف بجروحنا على الأقل بيننا وبين أنفسنا ولكن دون رثاء للذات. أن عدم اعترافنا بالجروح هو كبرياء في المقام الأول لأننا نرفض ضمنياً أن نكون في مصاف البشر. ونعترف اننا مثل سائر البشر نتعرض للجروح.

ثم يلي اعترافك بجروحك قرار إرادي واعي بالغفران لمن أساء اليك. وهذا القرار لا يعتمد على المشاعر. لأننا لو انتظرنا موافقة مشاعرنا – المتقلبة دائماً – لما حدث الغفران أبداً. بالإضافة إنه عند تعرضنا للإساءة تكون مشاعرنا غير مهيأة لاتخاذ أي قرار سليم. أو حتى المساعدة فيه. إلا أن عواطفنا وبعد وقت تنساق لقرارتنا العقلية وتخضع لها. ومن ثم يجب تدريب الإرادة يومياً لاتخاذ هذا القرار العقلي. مذكراً مشاعري كلما ثارت او حاولت إعادة جرحي من جديد بأن قراري الإرادي هو الغفران. والغفران دائماً طارداً المرارة المدمرة خارج حياتي.

لهذا طلب منا السيد المسيح أن أغفر لأخي سبعين مرة سبع مرات يومياً. لأستطيع ان اتعامل مع مشاعري التي قد تثور ضدي يومياً.

ودعني أخبرك هذه القصة عن أسرة من الأبطال المجهولين للكثيرين. ذهبوا للإقامة في إحدى الدول العربية. لكن وبشكل غادر قامت أحد الجماعات المتطرفة باغتيال الزوج بينما كانت زوجته حامل بطفلة لن تتح لها الفرصة ان تستمتع بحضن الأب. ورغم ذلك خرجت الزوجة على قنوات التلفاز بشجاعة معلنة غفرانها لقاتليه. يا لصعوبة الموقف. ودموعها المنهمرة وارتعاش شفتيها تعلن ثورة مشاعرها وعدم موافقة المشاعر بشكل لحظي على قرار الغفران. إلا انها اختارت أن تتبع خطى السيد المسيح. الذي جسد بنفسه الغفران الإلهي الذي أعده الله للبشر رغم عدم استحقاقهم.

 

 

everyarabstudent.com